محمد بن محمد ابو شهبة

196

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

بعضا ، وهم لا يشعرون ، كما حدث في قتل « اليمان » « 1 » والد حذيفة ، فقد قتله المسلمون خطأ وهم لا يعرفونه ، واعتذروا لحذيفة ، فقال : يغفر اللّه لكم ، وأراد رسول اللّه أن يعطيه دية أبيه فأبى ، وتصدّق بها على المسلمين ، فما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي اللّه عز وجل . شائعة قتل الرسول واندفع المشركون نحو رسول اللّه يريدون قتله ، منهم ابن قمئة ، فتلقاه مصعب بن عمير ، فقتله ابن قمئة ظنا أنه رسول اللّه ، وصاح صائح : ألا إن محمدا قد قتل ، وهنالك عظمت البلية ، وطاشت أحلام المسلمين ، وذهلوا عن أنفسهم ، فمنهم من ولّى هاربا ، ولم ترده إلا حيطان المدينة فرجع استحياء ، وفي هؤلاء نزل قوله سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ « 2 » . ومنهم من انطلق صاعدا فوق الجبل وألقى بسلاحه من هول الفاجعة ، ثم لم يلبثوا أن فاؤوا إلى الرسول وإلى القتال بعد أن أفاقوا من أثر الصدمة ، ومنهم من قاتلوا دفاعا عن دينهم وحماية لأنفسهم ، وهم كثير منهم : حنظلة بن أبي عامر ، وكعب بن مالك ، وقتادة بن النعمان ، وعبد اللّه بن عمرو بن حرام والد جابر . وقدم أنس بن النضر عم أنس بن مالك على قوم ممن أذهلتهم الشائعة وألقوا بسلاحهم فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل رسول اللّه ، فقال : يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن ربّ محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه ، فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه وقال : اللهم إني أعتذر إليك مما قال

--> ( 1 ) هو حسيل بن جابر ، وسمي اليماني لأنه من ولد جروة بن مازن ، وكان جروة قد بعد عن أهله في اليمن زمنا طويلا ، ثم رجع إليهم فسموه اليماني . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 155 .